من يطالع صفحات الحياة وتقلباتها؛ وحكمة الله وسننه فيها، يدرك تماما انه لوكان لنا أن نمنحها عنوانا لكان (الفراق واللقاء).
فليس ثمة لقاء فيها أزلي، ولا فراق أبدي، فهي بين هذا وذاك تتقلب، وتقلبنا معها على نار الجوى، والحكمة البالغة تقتضي على العاقل فينا أن يغلّب العقل والمنطق على العاطفة والاحساس المرهف، فالعاطفة تقودنا الى ممالك الحزن، وشرفات الهموم، وتقطعنا على دروب الانتظار!.
أما العقل؛ فبه المرء منا غالب، يقارع الشوق بسيف الرضى بالقضاء، ويرد غوائل الحزن بدروع التوكل..
ومن تأملي في عظيم مجد الله وجمال تقديره، رأيت أن الباري عزوجل ما قضي علينا أمرا به وجع وتألم، إلا وأعطانا فيه عوض، واسدل الينا من جنسه أمل، من عقله هانت عليه خطوب الاقدار، وتحلى بجميل الصبر مع جزيل الشكر.
ان الذي قضى ان تكون طبيعة حياتنا وعنوانها الفراق، وعدنا بلقاء ابدي أزلي، لاتخطفه الصروف، ولاتتتوشاه الاوجاع، وليس ثمة نصب فيه ولا وصب، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
حين يكتمل فينا معنى الايمان وشروطه، لابد من بعد كل فراق ايا كان سببه، أن يتحقق لقاء من ذلك النوع الذي لانصب به، فيه جمال الروح وكمال الروّح، كل ذلك يحفزنا على ان تكون علائقنا مبنية على أساس الايمان، وبمقتضاه يكون الرضى بالمقدور، والصبر على المكتوب، لذلك قال العارفون الايمان نصفه (صبر).
وبناء على ذلك؛ يهون كل خطب، ويصبح كل مقدر علينا مقدور عليه بجمال الايمان وروعة التصبر، والامل باللقاء الابدي، ويحفزنا جميعا على ان نلتقي في نهره الجميل، كي تسير مراكبنا في ممره وتنتهي بمقره بواسع رحمة الله العزيز.
بهذا المنطق؛ أنا شخصيا لم يعد عندي فراق الاحبة أمرا جللا، بل حدث عابر كأي حدث، حتى لو كان شكل الفراق مما يغلب على اعتقاد الناس أنه (أبدي) بـ(الموت) الذي حقيقته فراق وقتي.
لنأمل أن يحفظ الله احبتنا سالمين على عهد الإيمان، وان يكتب لنا خاتمة على ميثاقه الغليض، كي يكون فراقنا معهم مؤقتا، والقلب معلق بتلابيب الامل بالقاء الأزلي.
Advertisements