عند إفطار أول يوم من شهر رمضان المبارك مع أسرتي الصغيرة علقت على مائدة الافطار بالقول (انتهى رمضان .. وداعا يا رمضان!!).

يحق لكم انت تتعجبوا كما تعجب أفراد أسرتي! الذين سألوني؛ كيف تقول انتهى وهو للتو بدأ !!؟.

قلت نعم؛ سرعان ما تجري ايامه جريان الماء الهادر من قمة شلال، لتتسارع لياليه الجميلة المطعمة بألق الذكر والقيام والتسبيح والدعاء، فنجد أنفسنا نقف متسائلين عند إفطار آخر يوم، هل شعرتم بمروره؟.

 يالله؛ كم مر سريعا، رغم حرارة الجو،وطول النهار، إلا أنه مر سريعا كالسهم الخاطف.

هي نفحاته وبركاته التي تعطر الأرض بعطر السماء، وتجعل بينهما سببا يفيض من عطاء الله الكريم على عباده، ويجعل نسائم الملائكة الطاهرة الذين يسبحون بحمد ربهم ليلا ونهارا لايفترون ولايعصونه أبدا ويفعلون ما يؤمرون تصل للأرض وتعم الكون،إذا كان تنزلهم في الايام العادية يعني تغشي الرحمة ونزول السكينة كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبر عن الملائكة التي اختصاصها التطواف في الطرقات، فإذا وجدت قوما يذكرون الله تعالى حضرت معهم، وحفتهم بأجنحتها، فتغشاهم الرحمة، وتتنزل عليهم السكينة، ويذكرهم الله تعالى فيمن عنده، هذا في الايام العادية؛ فكيف في رمضان الشهر الذي خصه الله تعالى بخصوصيات كثيرة؟ أتخيلهم وهم يغشون الارض بالملايين وربما الوف الملايين، فيكون لنزولهم هذا ما نشعر به في الشهر الفضيل من السكينة، وانتشار مشاعر الرحمة، والود، والعطف، والتآخي، حتى أن الفقير يتمنى لو كان العام كله رمضان لشدة ما يلقى من فرح وبركة بعطاء اهل البر والسخاء والإحسان.

وهكذا هي الأيام الجميلة من عمر الأرض والإنسان تمر سريعا مرور الكرام! الم ترى إلى الربيع يمر خاطفا، فتنبت الارض من طيبها خضرة، وورودا، وفراشات، ويطيب فيها الجو ليحلو السمر والسفر، وتتألق لياليه بسماء صافية يطل معها القمر ينشد قصائد الحب وأناشيد الذكر، فيعانق ضيائه حالك الظلم ليبددها بنوره الصافي الأبيض، لايحجبه حاجب ولا يحول دونه حائل، فما يلبث أن يذهب الربيع سريعا ليعقبه قيض الصيف بحر وقر شديد، تذوي فيه الأزهار، وتموت الأرض، وينتشر القفر، وتصير الخضرة صفرة، وتتلبد السماء بغبار خانق، تجعلنا نتأسف على ربيع مضى سريعا، وكم من ربيع سيمضي الى غير رجعة؟.

لعلها سنة كونية، وإشارة سماوية، تؤكد في صفحات كتاب الله المشاهد ما جاء في صفحات كتابه المقروء حين وصف حال الدنيا بقوله:

{واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا}.

إذا هي الأيام الجميلة من أعمارنا تمضي سريعا تنبئنا أن الدنيا ليست بدار مقام، بل هي محطة في رحلة الابد التي تأخذنا إلى الأزل، من حيث جئنا؛ والى حيث تشتاق أرواحنا للعودة، لكن إلى اين سنعود؟ ثمة خياران لاثالث لهما، وإلى أفضلهما يقودنا رمضان بنفحاته وبركاته، لذلك تغمرنا مشاعر الفرح، وتتنزل علينا فيه السكينة، فباب الرحمة مفتوح لكل طالب مشتاق، وعدو الانسان الذي يصده عن فيوض الرحمات مكبل بالسلاسل والأغلال، فليس دوننا ودون الرحمن الرحيم حاجب ولا مانع، إشارات تلتقطها النفوس قاطبة بلا استثناء، حتى تلك السادرة في غيّ المعصية، المتعذرة او المتعالية عن الصوم، تلتقط إشارات الرحمة ونسائم الروّح، إلا انها ويح نفسي تترجمها بما تعودت عليه من غي وضلال، إلى مزيد من القهر لها والإذلال، فترهق العين بالسهر، وتحيي الليل بالسمر في غير ما يسمر به العابد، ويلوذ به المحب لربه المشتاق العاشق، فما ران على تلك القلوب من ران قوله تعالى {كلا بل ران على قلبوهم ما كانوا يكسبون} جعلت قلوبهم تلتقط الإشارة وتسيء ترجمتها! حتى أولئك يتحسرون عليه ويتمنون لو كان العام كله رمضان!.

في وداع رمضان لطالما تساءلت؛ لماذا لا يحصل لي في غير رمضان ما يحصل لي فيه من همة ونشاط ونفرة الى الطاعات والعبادات؟.

لاشك ان رب رمضان موجود في كل الاشهر، بجلاله، وجماله، وعظمته، ورحمته، وفيوض بركاته، وان اتصالنا به ليس رهن الزمان حتى ننتظر رمضان كي نتواصل معه، ولا المكان حتى ننتظر العمرة والحج كي نسافر إلى الديار المقدسة في مكة والمدينة فيحصل لنا هناك من جمال التواصل وبهاء الاتصال ما يحصل لنا في رمضان، فربنا الكريم موجود معنا في ذواتنا، ومكانين ارواحنا، تمنعنا عن الشعور به والتواصل معه غفلاتنا المتكررة، وشواغل الشهوة الممتزجة ببشاشة نفوسنا الضعيفة، لذلك تضل نفوسنا تتطلع الى ما ينتشلها من وحل الغفلة، ووديان النسيان، وحين يصل بها الزمان إلى رمضان أو المكان إلى مكة، تغلب عليها رغبة التوبة، وإرادة العودة، واشواق الوطن الاصيل (الجنة) فتتشبث بالزمان او المكان ضنا منها انهما مراكب الوصول الى أبواب الرحيم الرحمن، فيحصل لها من الوجد، والشوق، والانس ما لايحصل لها في غيرهما، وهما كذلك؛ شاءت إرادة الله تعالى أن يكون لهما خصوصية الرحمة والبركة والنفحات التي تطير بحرارة الشهوات والرغبات.

لذلك إن أردت أن يدوم حالي على مافي رمضان من أنس بالله وصلة به؛ يصير لزاما عليّ أن أدرك هذا المعنى، فاعمل على إطفاء نيران رغبات نفسي وشهواتها التي تمنعني عنه باشرا قات الانس به والقرب إليه، عندها فقط تكون أيامي كلها رمضان.

فوداعا رمضان، أيها الزائر الطائر، برحمة حللت وخفة ذهبت، ولنا إلى لقياك اشواق لعل العمر إن طال بنا في عام قادم نلقاك، لنسأل من جديد كم سريعا ذهبت يا رمضان؟.

 

 

 

 صورة

Advertisements