زيادة الوزن والسمنة مشكلة العصر، ولقد ذهب الطب المعاصر الى تصنيفه كمرض من الأمراض الخطيرة، وهو يتسبب بمجموعة من الامراض بشكل مباشر وغير مباشر، وقد ينظر الكثيرون إلى السمنة على أنها أمر بسيط، أو أنها مجرد منظر غير مقبول يشوه جمال جسد الإنسان، وقله هم من يعرفون خطورتها على حياتهم؛ لذلك يقفوا مكتوفي الأيدي غير قادرين على إيقافها وكأنها قدر غير قابل للتغيير!.

ويمكن تعريف مرض السمنة بأنه؛ زيادة في نسبة الدهون في الجسم إلى أكثر من 30% من وزن الجسم الكلي، وهذا التراكم ناتج عن عدم التوازن بين الطاقة المتناولة من الطعام والطاقة المستهلكة، وبناءا على ذلك فان سبب السمنة ينحصر في أمرين اثنين، الاول النمط الغذائي فتناول الطعام الذي يحوي على سعرات حرارية عالية مع عدم صرف هذه السعرات يؤدي إلى تراكم الدهون في الجسم، علما بان الدهون لها كفاءة أعلى من الكربوهيدرات والبروتينات في التكتل في أنسجة الجسم الدهنية، الثاني قلة النشاط والحركة، فمن المعروف أن السمنة نادرة الحدوث في الأشخاص الدائبي الحركة أو الذين تتطلب أعمالهم النشاط المستمر، فالحركة لها دور كبير في تحسين صحة الإنسان بصفة عامة ومن هنا تأتي أهمية الرياضة التي لها دور في تخفيض نسبة الدهون وجليكوز الدم، كما أن لها دورا في نشاط الأنسولين واستقبال أنسجة الجسم له.

وتشير  منظمة الصحة العالمية الى ان منطقتنا هي الاكثر سمنة في العالم، حيث وصلت نسبة السمنة إلى 50% من عدد السكان، وتصل هذه النسبة الى 80% في بعض دول الخليج العربي!!.

الملاحظة التي كثيرا ما سمعتها تتكرر من الناس هي أن وزن الشخص يزداد في رمضان ما بين 2-3 كغم!! وهي ظاهرة تستحق منا الوقوف عندها مطولا، والبحث في أسبابها، ودلالاتها، في ظل فلسفة رمضان التي لازلنا نسمعها من الدعاة والوعاض والعلماء منذ كنا صغارا، وتشير الى أن من أهم حكم الصيام في الاسلام شعور الغني والمكتفي بحال الفقير الذي لايجد قوت يومه، وقد ينام طاويا بطنه على جوع يأمل ان يجد في الصباح ما يسده به، او قد لايجد!..إذا كانت أوزاننا تزداد في رمضان فهذا يعني بلا شك ان هذه الحكمة لم تتحقق، بدليل اننا اكلنا فيه اكثر مما اكلنا في سواه من الاشهر!.

المشكلة كامنة في نظرتنا الى رمضان، وفهمنا لهذا الشهر الفضيل، التي ابتعدت في كثير من الاحيان عن اصل وحكمة وجود شهر الصيام في حياتنا وعبادتنا، فشهر الطاعة والعبادة والغفران تحول الى مهرجان للتسوق وتناول الطعام، وما عليك الا ان تدخل الاسواق وخصوصا التي تبيع الاغذية والأطعمة قبل بداية الشهر بعشرة ايام وخلاله لتجد الدليل على كلامي، الاسواق الكبرى تعج بالمتسوقين، وموظفي هذه الاسواق يشعرون بالارهاق بسبب العمل الدءوب المتواصل ليلا ونهارا لتلبية حاجات المتبضعين! في رمضان السابق رايت بام عيني في احد هذه الاسواق سيدة تجر مع اولادها ثلاث عربات معبئة عن آخرها بما لاتحصيه عينك من الطعام والشراب، الى درجة ان المحاسب استغرق حوالي نصف ساعة باستخدام آلة الكترونية لمعرفة حساب هذه المشتريات!!! بل ان اصحاب المعامل والأعمال الصغرى صاروا يربطون ديونهم وأعمالهم ومشاريعهم بـ(الموسم) ويقصدون هنا رمضان، فمعامل الحلويات والطرشي على سبيل المثال تبيع في الشهر اضعاف ما تبيعه في سائر اشهر العام! لذلك ينتظر اصحاب هذه المعامل رمضان لسداد ديونهم، او توسيع مشاريعهم، او بناء منازلهم! وإذا عدت الى ذاكرة القارئ الكريم وسالت كم شخصا قابلت ممسكنا بطنه من الم البطنة والاسراف في الاكل اثناء الإفطار؟ بل كم واحدا منا مر بهذا الأمر؟ انا شخصيا قبل ان اتسلح بالثقافة الصحية التي احمد الله تعالى عليها لم يكن رمضان يمر دون ان اعاني من المشكلة!.

إذا؛ نحن نقوم بدمار شامل لصحتنا من خلال الاكل المفرط الذي لا يراعي الكم والنوع، ونخرج رمضان عن مساره وغايته وحكمته يوم طلب منا الشارع الكريم ان نمارس طقوس الجوع لحكمة بالغة هو يعلمها، عرفنا منها باعمال عقولنا في حكمه وحكمته، ان نشعر باخوان لنا في البلد، او الامة، او الانسانية، لايجدون ما يسدون به الرمق، فتتحرك مشاعرنا لنتضامن معهم ان لم يكن باموالنا فعلى الاقل بعواطفنا.

في رمضان الماضي دعوت جماهير الصائمين إلى هجر التلفزيون في مواجهة تحويل رمضان الى مهرجان تلفزيوني ياخذ الصائم من نهار العبادة وليلها، الى مباهج السهر والسمر الاحمر! واليوم ادعوا الى ممارسة ضبط النفس في مواجهة نهمنا ورغبتنا في سد الجوع بالاكل المفرط، بل ادعوا الى الإقلال من تناول  الطعام ما امكن الى ذلك لنحقق بذلك غايات عدة منها؛ اعطاء المعدة استراحة لمدة شهر وفي ذلك عظيم الاثر على الصحة العامة، مساعدة الجسم على التخلص من سموم الاطعمة الغير صحية التي يتحمل اثارها السلبية طوال العام، التضامن مع اخوان لنا في بلاد مسها الجوع مثل الصومال، واخرى مسها الظلم مثل سوريا فاهلك الجوع والحرب والغلاء اهلها، وثالثة لم تجد من امتها نصيرا ولا من الانسانية ظهيرا مثل اخواننا في بورما حيث يرزح عشرة ملايين مسلم تحت نير الفقر والجوع والقتل والتطهير العرقي! وآخرين لا نعلمهم ولم تصل اليهم كاميرات الاعلام، الله يعلم، لاجل ذلك لابد لنا من مثل هذه المراجعة الرمضانية لما ناكل وما نشرب.

 

 

Advertisements