كثيرا ما نتغنى بأمجاد الماضي التليد حتى يتصور المتلقي ان ماضينا ليس سوى صفحات بيضاء وامجاد سماوية المنشأ، وكثيرا ما نلعن حاضرنا القائم بكل ما نملك من وسائل الشتم والسب حتى يظن المتلقي ان حاضرنا شيء جديد ليس له صله بالماضي ولا امتداداته، ورغم أن الماضي فيه صفحات بيضاء نتشرف بها الا ان فيه صفحات سوداء قاتمة وأحداث بشعة وغير مشرفه قادت الامة الى مسالك مأساويه؛ ليس الحاضر الا صدى لتلك الوقائعِ والاحداث.

 وبين تلميع الماضي ولعن الحاضر غارقون نحن في سمفونية التيه والهيام، بينما المنطق والعقل يحتمان علينا ان نضع ارث الماضي بكل ما فيه من سلبيات ومصائب وأخطاء وكوارث بالاضافة الى ما فيه من مفاخر وانتصارات وأمجاد على بساط البحث الدقيق والتحليل العميق لكي يستنير الحاضر بإبداعات السالفين ويتجنب أخطاء الماضين؛ ولمثل هذا ومن اجله قامت في أمريكا عاصمة العولمة وحاضرة العصر الحديث مراكز البحث والتحليل والدراسة والإحصاء والاستطلاع تدرس الانتصار في الحرب العلمية الثانية، والهزيمة في فيتنام، والانهيار الاقتصادي في امريكا في مطلع القرن السالف، والفورة الاقتصادية والتنموية في ختام هذا القرن، وقطع إمدادات النفط في الماضي من قبل العرب، والسيطرة على منابعه في الحاضر ، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها، حتى تحولت تلك المراكز إلى حكومات ظل ترفد صانع القرار الأمريكي بالسياسات الناجعة التي تضمن لأمريكا السيادة والتفوق على العالم إلى المدى المنظور في التقدير والرؤية البشرية.

 

 

وفي شباط وآذار من كل عام تتداعى إلى الأذهان فاجعتين من فواجع العصر ، ومن ثمرات النظم البعثية ، والثورات التي ادعت أنها وطنية ، فاجعتي حلبجة في العراق وحماه في سورية

واني اذ استذكر فاجعة حماه السوريه اجد ذهني ينساق تلقائيا الى فاجعة حلبجه العراقيه دون فواجع المسلمين ومذابحهم الكثيره وذلك لحدوثهما في الفتره الزمنيه نفسها في عقد الثمانينات وفي نفس الاقليم الجغرافي وعلى يد من يتبنون الايدلوجيه نفسها ومنها وتحت شعارها نفذوا مجازرهم الجماعيه في حق شعوبهم ومن يشاطرونهم في الدين والوطن والمعتقد لافي حق من يخالفهم في الدين والمعتقد والوطن رغم ان كل ذلك لايعتبر مبررا لمثل ذاك العمل الا ان ذلك ممايزيد في شناعة الجرم وقبحه ، وللحديث عن هاتين الفاجعتين لابد لي من الدخول الى ثنايا التاريخ المعاصر للوصول الى الان الحاضرلان الحاضر ثمره من ثمرات الماضي (( وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم )) محاولا جهدي للخروج من دوامة تلميع الماضي ولعن الحاظر بما يتيح لي ان أقدم رؤيا تستشرف المستقبل .

حين دخلت الخلافه العثمانيه في أتون الحرب العالميه التي لم يكن للمسلمين فيها ناقه ولاجمل وخسرتها مع من خسروا كان المصير المحتوم هو سقوط ذلك الصرح الاخير وتحول الامه الى مزق على يد المستعمر المنتصر ولم يكن حال الامة حينها الا صورة طبق الاصل من حكامها المتخطبطين الفاشلين ولم يكن ذلك الواقع وليد مؤامرة خارجية بل كان ثمرة طبيعيه لدوران الامة في فلك القعود والتحجر والتقوقع والجمود في الوقت الذي كان العالم فيه ترك التقدم بالخطوات وصار يتقدم بالطفرات جاء المستعمر ليزيد علىذلك الواقع المرير بنشر الجهل وربط العلم بالعلمانية والحضارة والتقدم بالرؤيا الغربية فتحولت المساجد الى مواقع متخصصة للتهليل والتكبير والتسبيح بعد ان كانت ومنذ عصر النبوة منائره ومنابر للعلم والحضارة تخرج العالم كما تخرج الفقيه وصارت المدرسة على النمط الغربي تعطي العلم وتفصله عن الدين فالدين في المسجد والعلم في المدرسة التي يتصدر خريجوها الوظائف والمناصب التي تسير المجتمع والدولة ، وهكذا دواليك حتى جاء اوان الاستقلال وما في الامه عالم فقيه او فقيه عالم فسلم المستعر الدفة للنخب المستغربة تواصل بعده المسيرة وليضمن له مصالحهُ وان لا تقوم للامة بعده قائمة تشكل خطراً على وجوده او مصلحته وبالفعل واصل الاستقلاليون ما بداه المستعمرون ولم يفق المسلمون من دائرة سُباتهم العميق فزاد الجهل وتراجعنا للوراء والعالم لا زال يسير الى الأمام فكان لابد للاوضاع من تصحيح وللاحوال من تغيير فاصبح حصول الانقلابات والثورات حتمية يقتضيها الواقع وهنا ايضاً لعبت النخب المستغربة الدور القيادي والريادي في هذه العملية ، وفي الوقت الذي كان فيه المسلمون عاكفون في مساجدهم وزواياهم على الذكر والتسبيح ظناً منهم أنه الطريق ألى الخلاص ، كان عفلق وغيره يقودون عملية التصحيح والتغيير في المجتمع بما احدثوه من قيم وبما استوردهُ من مبادئ اذ لايتصور ولا يعقل ان المسلمين حين ينسحبون من الحياة ويتركون مجالاتها ستطل تلك المجالات فارغة لا بل سيملئها الاخر وسيملي على الجماهير ما يريد فانفجرت ثورات وانقلابات تبشر الامة بالنهوض والتقدم على قاعدة(امة عربية واحدة) وتعيد الجماهير ب(الوحدة والحرية والاشتراكية) في ان واحد على امتداد الوطن العربي غير ان جميع هذه الثورات قامت من داخلها حركات زعمت انها تصحيحية خلاصة ما تقوم به هو اجتثاث كل من ساهم في الثورة او الانقلاب من افراد او حركات فلا يخرج مصير من ساهم فيها عن احدى ثلاث ، الموت بتهمة الخيانة،او ان ترحمه الثورة فتنفيه الى اقصى الارض، او الرضا والخنوع وترديد(نعم نعم مواقف لا اعترض), فتحولت الثورات التي عقد الشعب عليها اماله الى محاكم تفتيش تعدُ على الناس انفاسهم وتزج بالاحرار في غيابات السجون المعتمة التي ابتدعتها الثورة وكل ذلك لتكريس حكم فرد ينتمي الى طائفة او قبيلة هو من فجر الثورة وانقذ الامه وانتشلها من الضياع وقائمة صفاته بلغت مائةً الا واحدة فلا بديل له ولا شبيه الا ابنه الذي يبرز بعد موته ليحل محل ابيه ، اذ لابد للامة من منقذ ومخلص ولامنقذ ولامخلص الا من تلك السلاله الطاهرة .

فاستنرنا بالظلام

واغتسلنا بالسُخام

واحتمينا بالحمام

وغدونا بعد ان كنا شهوداً

موضعاً للاهتمام

لكي يذبحنا جيش النظام

تحت هذه اللافته وبهذا التسلسل جاءت مجزرة حماه وحلبجة على يد البعث الحاكم في العراق وسورية ففي العراق استخدم النظام البعثي اسلحة التدمير الشامل على غرار ما حصل في هيروشيما ونكزاكي بالقاء الاسلحة الكيمياوية على مدينة حلبجة فمات الناس فيها بالجملة وفي سورية استخدم النظام البعثي الاسلحة الثقيلة والطائرات التي كانت عليها ان تحرر الجولان بئبادة مدينة حماه ولا زالت جراحات المدينتين تنزف دماً وزيزفون ، وبعد هذه الاستفاضة اريد ان اوجز واخرج بخلاصة اخاطب بها العقل المسلم لكي يتدبر ويهيم في فلك التفكر و في رحى لعل ذلك يحفز العاملين ويوقظ القاعدين :

 
اولاً:- انظر معي كيف هدمت الامه بفساد حكامها وخنوع علمائها وصنفان من الناس فيها اذا صلحا صلحت الامة واذا فسدا فسدت الامه(العلماء والامراء) فان فسد احدهما لا زال الصراع قائماً كما قضت سنة الله والحرب سجال يوم لك ويوم عليك حتى يقضي الله ا مراً كان مفعولاً اما والحال قد انتهى الى استشراء الفساد في الطرفين فالنتيجة(تقسيم, اغتصاب فلسطين، اذلال، قهر، استنزاف ثروات، مذابح ومجازر). فاذاقهم الله لباس الخوف والجوع بما كانوا يصنعون .
ثانياً:-عكوفنا على علوم الشرع وتركنا علوم الدنيا وعمارتها يؤدي الى ان تكون عجلة الحياة في ايدي مستغربة تعادي الشرع لان الانسان عدو ما جهل وتتمخض عن فقهاء كثر تؤدي كثرتهم الى ان يكون شغلهم التشاغل وعملهم التنافر والتبارز والتجادل في فرع الفروع حتى تتكسر من تناحرهم الضلوع ((ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم))

… وماذا بعد؟

وماذ بعد قرن من سقوط الخلافة وقرون من التخلف اثمرت غثائيه كاسحة غالبه خلال هذا القرن ، اصغت شعوبنا وانساقت وراء المزاعم والشعارات الطنانة وصفقت لها حتى احمرت الكفوف وهتفت لها حتى حشرجت الاصوات ثم صحت لتجد نفسها في ذيل الامم وهاوية الشعوب وغثائية القوة والقدرة ؟!

 وعلى أثر ما تقدم انبثقت الصحوة الإسلامية صحوة رجعت بالامه الى ما تركت بعد ان عادت ما جهلت قادها في طريق العودة بعظ من علمائها وشرفائها فنالوا حسن الشهادة  وتركوا لمن بعدهم تركه المواصلة على ان تكون مسيرة بالبصيرة ((قل هذه سبيلي ادعو الى الله علىبصيرة انا ومن اتبعني)).

والبصيرة تقتضي وعي الواقع وفهم معطى الحاضر وطبيعيه العصر وما فيه من تحدي وصراع وانني ازعم ان شهداء الفواجح الذين نستذكرهم في حماة وحلبجة وسمي بعد ذلك ما شئت من فواجح الامه ومجازرها ماهم الا ضحايا الصحوة وطلائع شهدائها وبدونهم ما كنا لنكون ، لقد اثبت الاخر المتمترس وراء الشعارات المضللة لشعوبنا انه احمق وكذاب ودكتاتور سفاح وصل بالامه الى ما هي فيه الان من ذل وهو ان وصغار فماذا سيقدم للامة بعد ان غسلت الايدي منه . . . المطلوب ان نمسك بزمام الصحوة بوعي وفهم يوازن بين الدين والعلم والعقل والجسد والماده والروح على(بصيره) وان نسمو فوق معوقات الماضي ومافيه من جراحات فنبني في كل بقعة حصلت فيها مجزرة جامعة تعمر الدنيا بالعلم كما تعمر الروح بالذكر تجاورها مدينة انترنيت الى جانبهاغ مدينة اعلامية حتى نصل بدعوتنا حدود المريخ فهماً وعملاً.

 

 

Advertisements