بدأ موسم التلفزيون في شهر رمضان؛ ومن يشاهد الإعلانات الدعائية للمسلسلات والبرامج التي تروج له القنوات الفضائية منذ مطلع شهر شعبان يدرك تماما أننا مقبلون على موسم حافل بالعري، وقضايا الانحراف الأخلاقي، والحب، والجنس، والخيانة الزوجية..الخ إذا لا تملك مؤسساتنا الإعلامية والفنية القدرة على معالجة غير هذه القضايا لسبب بسيط (الجمهور عايز كده..!!).
أما القنوات ذات المرجعية الإسلامية وهي كثيرة! فتقدم برامج تقليدية مملة تخلو من عناصر الدرامة، والفن، والموسيقى،كا تخلو من الترفيه الذي يدخل في إطار التسلية الحلال؛ هذه القنوات ومعها القنوات الهادفة لا تقدم إنتاجا يطفئ عطش الإنسان المعاصر للفن والإبداع، بل هي عبارة عن مساجد فضائية بمعنى أنها ترجمت رسالة المسجد وحولتها إلى مضمون (متلفز) وتبارت فيما بينها لتقديم المواعظ والخطب والدروس والمحاضرات على مدار الساعة، فلو استعرضت أبرز محطتين في هذا المجال (الرسالة، اقرأ) ستجد أن (24) ساعة من البث عبارة عن كلام (مواعظ، دروس، محاضرات .. وما إلى ذلك من فنون الكلام) ولكثرة هذا النوع من البرامج (الكلامية) تتكرر المادة المطروحة للمشاهد مع تنوع في الأساليب وتغير في الوجوه، ففي السيرة النبوية هناك أكثر من برنامج في اليوم، وفي القران الكريم والموعظة العامة والأسرة نفس الأمر؛ ثم أن نجوم الدعوة التلفزيونية يتكررون في الظهور حتى تكاد لا تفرق بين القنوات لولا وجود علامة مميزة لكل قناة (عمرو خالد، طارق سويدان، عائض القرني، الحبيب الجفري…).

ولا يخفى على من يعرف بفنون وقواعد العمل الإعلامي أن طبيعة المشاهد جزء لا يتجزأ من أهداف رسم الخطط والاستراتيجيات البرامجية، وطبيعة مشاهد العصر هي انه يمل بسرعة ويسأم من التكرار ولا يحفل بالخطاب الوعظي المباشر والمتكرر، وإدراكا من المحطات العالمية وشركات إنتاج البرامج لهذه الحقيقة فقد عمدت خلال السنوات الأخيرة لتقديم برامج ذات نمط جديد يتوائم مع متطلبات الإنسان المعاصر، مثل (برامج تلفزيون الواقع، والبرامج التفاعلية، وبرامج المسابقات والمفاجئات المبهرة..الخ)، والأكثر غرابة في هذه القاعدة الإعلامية المعاصرة هو أن الهدي النبوي سبق إليها من قرون، فالعديد من النصوص تؤكد على معنى (روحوا القلوب ساعة وساعة)، حتى في القرآن الكريم صور فنية ونغمات موسيقية وإيقاع يختلف من سورة إلى سورة ومن مشهد إلى مشهد بما يضمن أن لا يصيب القارئ ألسآمة على الرغم من كثرة تكرر القصص وتكرار المواعظ فيه.


هذا الأمر برمته يضع أصحاب مشروع (الإسلام هو الحل) أمام تحد خطير! وأمام التهمة القديمة الجديدة التي تقول أن أصحاب هذا المشروع لا يملكون أي معالم لمشروعهم سوى تنظيرات وخطابات جوفاء!؟ ألم توفر العولمة مساحة واسعة أمام أصحاب هذا المشروع بما يتيح لهم التحرر من قيود الأنظمة التي لطالما تعللوا بها وعلقوا على شماعاتها كل إخفاقاتهم؟!!! ماذا قدم الإعلام الإسلامي للناس؟ خطب ومواعظ يسمعها المتدينون! ماذا عن الآخر من أنصاف المتدينين وغير المتدينين وغير المسلمين!؟ هل نجح الإعلام الإسلامي في الحفاظ على جمهور المتدينين؟ اشك في ذلك! فأرقام المشاهدة تؤكد ازدياد عدد مشاهدي (الروتانات، والام بي سي، والإل بي سي، وقنوات الطرب…) وتزايد عدد مشاهدي برامج (سوبر ستار، وميشو شو، وسي بي ام…) مثلا عدد سكان الأردن أربعة ملايين فيما بلغ عدد المصوتين منهم لبرنامج سوبر ستار مليونان، فأين القنوات الإسلامية من هذه الطبخة الإعلامية (عرب وين، طمبورة وين)؟! هذه ليست دعوة للنزول بمستوى المشاهد إلى حضيض (التسليع) الثقافي والمعرفي، فما يهم هذه القنوات والبرامج هو تحقيق الربح بغض النظر عن الوسيلة لذلك، وما يهمنا هو أن نرتفع بمستوى المتلقي ثقافيا ومعرفيا وفكريا وعمليا ليكون عنصر بناء وتقدم في الأمة، لكننا لم نسلك لتحقيق هذه الغاية الطريق الصحيح ولم ننتهج الأسلوب الأمثل المتوافق مع لغة العصر، مع التأكيد على أنني هنا لا اقلل من أهمية المواعظ والدروس في شحذ الهمم وإيقاظ الأمم، لكن يكفينا منها خطب الجمعة ودروس رمضان، ما البديل إذا؟ ماذا يمكن أن نقدم للناس غير مواعظ يلقيها شيوخ أجلاء وأساتذة فضلاء!؟..
البديل هو ترجمة الخطاب والمشروع الإسلامي إلى مفردات لغة العصر، عصر الفن والدراما والصورة بألف كلمة، مشكلة أصحاب مشروع (الإسلام هو الحل) في هذا الجانب تكمن في الفصام النكد بينهم وبين الفن وأهله منذ انطلاق الحركة الإسلامية في عشرينيات القرن الماضي، فالفن رجس من عمل الشيطان بلا تمييز ولا تفصيل، والفنانون فسقة وفجرة لا مكان لهم إلا في قعر الجحيم دون روية ولا نظر! وبهذا تباعدت الأجيال عن كليات ومعاهد الفن وميادين الإبداع الإنساني من إخراج وكتابة سيناريو وموسيقى وما إلى ذلك، فغصت بهم كليات الشريعة والفقه وأصول الدين، فمن ملأ الفراغ يا ترى؟ ثم نعود بعد ذلك ونهاجم المخرج الفلاني والممثل الفلاني والمنتج العلاني، وهؤلاء يملكون الحجة الدامغة ردا على المهاجمين، إنكم تريدون العودة بالإنسانية القهقرى، بلا سينما ولا مسرح ولا موسيقى ولا دراما! لأي الفريقين سيصغي الناس يا ترى؟.
أنا افترض جدلا لو أن الله تعالى لم يختم الرسالات بمحمد () وأذن أن يبعث للقرن الحادي والعشرين نبيا بأي لغة كان سيبعث هذا النبي؟ وبما انه من الثابت أن كل نبي بعث بلغة قومه وأيد بمعجزة تتوافق مع زمانه وعصره فإن لغة هذا النبي كانت ستكون الانترنت، والتقنية الرقمية، وبما يتوائم مع ما تعارف عليه أهل العصر من محطات فضائية وسينمائية ودرامية ..الخ ليتمكن من مخاطبة أهل العصر بلغتهم؛ وبما أن الله تعالى ختم الرسالات بمحمد () ورضي للإنسانية في نهاية المطاف الإسلام دينا فقد بات من الواجب على حملة هذا الدين ودعاته أن يطوروا لغة الخطاب الديني للتوافق مع لسان حال العصر وتبليغ رسالة الله، وعندي على ما أقول شاهد ودليل في أول تجربة سينمائية في تاريخ الإسلام المتمثلة في فلم (الرسالة) لمخرجه العملاق الراحل (مصطفى العقاد)، من منا لم يشاهد فلم الرسالة؟ من منا لم يكرر المشاهدة؟ من منا لم يتأثر بالموسيقى التصويرية للفلم؟ من منا ليس لديه مشهد مفضل في الفلم؟ لا يختلف اثنان على أن الفلم صفحة مشرقة ومبدعة في تاريخ الدعوة الإسلامية على ما في الفلم من ملاحظات فما هو إلا محاولة فردية لم تجد دعما من الأمة متمثلة في (أنظمتها وحكامها وعلمائها وأثريائها) فالعقاد رحمه الله مات وهو يتسول الأمة لإنتاج فلم مشابه عن صلاح الدين الأيوبي فلم يجد من يدعمه ومات معه مشروعه.
في رمضان الماضي شاهدت مسلسل (كشكول لكل مواطن) على قناة الشارقة تقوم ببطولته الفنانة (صابرين) مسلسل منتج وفق قواعد الإنتاج الدرامي الحديثة، ملخصه أن تاجرا ثريا ناجحا له زوجة صالحة يكتب ذنوبه في كشكول مخبأ في خزانته، توقعه الأقدار بيد زوجته الصالحة لتكتشف أن زوجها وحش بشري، فتخيره بينها وبين التكفير عن ذنوبه ورد المظالم إلى أهلها، فيختار رد المظالم، ثم يمضي المسلسل على هذا السياق يقدم مشاهدة درامية ممتعة تجمع بين الكوميديا والهدف، وفي هذا دليل ثاني على أن الخصام مع الفن وأهله ليس صوابا على الإطلاق، فعالم الفن حين وجد راس المال ظهر المخرج والسيناريست والكادر الخير، فكان المسلسل ابلغ من ألف مليون وعظ ومحاضرة.
في المقابل فان أهل الفن واجهوا خصومة أصحاب المشروع الإسلامي بعنف وبلا رحمة، فلا يخلو فلم ولا مسلسل ولا منتج فني من هزأ بالدين والعلماء والحركات الإسلامية، حتى المنتج الإسلامي واجه مقاطعة عنيفة فمسلسل مثل (عمر عبد العزيز، والإمام الشعراوي) لا تعرضه القنوات المصرية إلا في ساعات الصباح التي تسبق صلاة الفجر، والقنوات التجارية لم تكلف نفسها عناء شراء هذه المسلسلات خوفا من تحولها إلى ظاهرة لا تخدم مشاريعهم.
أين القنوات الإسلامية والهادفة من مجمل هذه الصورة؟ أين دور راس المال المسلم في المشاركة في هذه المعادلة؟ أم أن دوره مقتصر على بناء المساجد! والفن رجس من عمل الشيطان!! أين دور أصحاب مشروع (الإسلام هو الحل) من الدخول إلى ثنايا المعادلة هذه والتأثير فيها والتغيير والإصلاح إن صح منها شعار الإصلاح من الداخل الذي تحمله معظم الحركات.
لقد آن لأهل الفن أن يتدينوا، وآن لأهل الدين أن يتفننوا، كلمة شاملة جامعة قالها الشيخ (محمد الغزالي) رحمه الله مستشرفا بوعي وحس العالم المتفهم لمشكلات عصره وتطور زمانه اللغة الجديدة التي ينبغي أن تترجم إليها لغة الدعوة الإسلامية في العصر الحديث؛ وأنا أكررها معه؛ فهل ستجد آذانا صاغية، إنني أطرح مشروع مؤسسة للإنتاج ألبرامجي تنتج وتدعم الأفلام والمسلسلات والبرامج بالتواصل مع أهل الفن وكم فيهم من خيرين ضاع خيرهم بين أقدام خصامنا النكد، مشروعي يؤسس لهوليود إسلامي بسقف زمني لا يقل عن مائة عام يطمح لإيصال رسالة الإسلام إلى كل أصقاع الأرض بكل ما فيها من لغات وتقاليد وعادات.

Advertisements