دأبنا في مجموعة (عراقيون نلتقي لنرتقي) التي أنشأتها على الفيس بوك مع أصدقاء وزملاء لي؛ على أن نثير في كل أسبوع موضوعا للنقاش، يتراوح ما بين الهم السياسي، والقضايا الاجتماعية، والثقافية، والفكرية، والأدبية، يجمعها مظلة واحدة، هي أنها جميعا قضايا تتعلق بالشأن العراقي، يناقشها شباب وبنات من كافة أنحاء العراق، تجاوز عديدهم عند كتابة هذه الكلمات ستمائة عضو، وفي هذا الأسبوع تم اختيار موضوع بر الوالدين، وقد أثار النقاش مشاعر جياشة في قلبي تجاه والدتي التي أكن له عظيم الإكبار والإجلال والحب، فسطرت في حقها كلمات جاشت بها النفس وفاض بها القلم، من القلب خرجت، وفي كلام من القلب إليكم أنقلها كما نشرتها.

والدتي حفظها الله؛ تجاوزت الثمانين، وهي في خريف عمرها الأخير، مصابة بـ(الزهايمر)، تعيش الحياة لحظة بلحظة، مع سيل دافق من الذكريات التي تطل على فصول من حياتها قضتها في عناء وشقاء الفقر؛ وتربية أربعة عشر من الذكور والإناث، أنا أصغرهم، هذا عدا عن من فقدتهم وهم صغار، أو من لم يكتب لهم الله تعالى العمر في هذه الحياة.
تربطني بوالدتي علاقة روحانية تجعلنا متصلين على الدوام برابط يتجاوز المسافات مهما تباعدت، ويتجاوز الزمن مها تغير وتقلب بين ليل ونهار، أو صيف وشتاء، فرغم تباعد المسافات بيني وبينها منذ منتصف التسعينات حيث كنت أعيش في منفى إجباري يبعدني عنها مئات الكيلومترات، مع انقطاع تام لكل وسائل الاتصال السلكية واللاسلكية!! إلا أننا نشعر ببعضنا دائما، ونعيش الحالة النفسية والجسدية والوجدانية ذاتها في نفس اللحظة، فحين امرض تمرض، وحين يصيبها صداع أصاب بالصداع معها، وحين تعيش هما ما اشعر بضيق في صدري وانكماش في روحي، وهي كذلك، هذه الحالة اكتشفتها بعد أن غبت عنها سنين عددا في المنفى الإجباري، ولم أتمكن من الاتصال بها ولا التواصل معها إلا بعد عام 2000، اكتشفت أن كل ساعة ضيق صدر مرت بي عاشتها أمي وهي بعيدة عني، وكل صداع عصف براسي كان أزمة صداع تسبب به ارتفاع الضغط لها.
هذه العلاقة المميزة؛ بدأت من الطفولة حيث كان ارتباطي بأمي غير طبيعي، فهي أرضعتني لا كما ترضع الأمهات أولادهن حولين، بل تجاوزت ذلك بسنين، حتى أنني أكاد اعي إرضاعها لي كحلم يداعب مخيلة شخص يتراوح بين اليقظة والنوم..! ثم إني لما كبرت وصرت غلاما كان النوم إلى جنب أمي من المسلمات التي لا يتحقق معنى الحياة لي بدونها، إذا غابت أمي لسبب ما، لا يعرف النوم طريقه إلى عيوني أبدا أبدا، يراودني القلق، يغمرني الأرق، اثمل بفقد أمي، أتذكر كم من الليالي قضيت إلى جنبها ابكي وابلل وسادتي بالدموع وأنا طفل لأنني سمعت شيئا عن الموت، وراودت مخيلة طفولتي فكرة موتها؛ وفقدها..!!.
وحين صرت شابا كانت ملاذ شبابي ومراهقتي، كانت ستري وغطائي الذي أتدثر به، كانت الخيمة التي تحميني من قسوة توجبها تربية الوالد رحمه الله لي ولأخوتي، هي سيدة أمية، لكن قلبها وسع العالم الكبير، ببحوره، وسهوله، وجباله، ومائه، لها إيمان العجائز الذي أثنى عليه الإمام الرازي رحمه الله صاحب التفسير الكبير، الإيمان الفطري الذي لا يعتمد على الفلسفات ولا الخرافات، وقد سقت قلبي من بعض أنهارها الدافقة، فاشعر بفضلها في كل لحظة صفو أو مناجاة مع الله تعالى، وهل يعرف هذه المعاني إلا من ذاقها؟ ومن ذاق عرف، ومن عرف اغترف.
يقولون (لا تعرف النعم إلا أن تفتقد) ولا تعرف نعمة الوالدين إلا حين فقدانهما؛ للأسف هذا الأمر يكاد يكون قاسما مشتركا بين العديد من الناس الذين قابلتهم أو سمعت عنهم في حياتي، ورغم أني كنت اجل أمي وأقدسها إلا أنني حين فقدتها بسبب المنفى الإجباري، شعرت بقيمتها لحياتي، وبركتها لعمري، فكان الفقد المؤقت وان طال أمده سنين عددا دافعا لي لمزيد من الحب، والقرب، والبر، والتذلل، وحين جمعني بها القدر عام 2003 عشنا معا أجمل أيام عمرنا، وقضينا معا أروع الساعات واللحظات، التي عوضتني ما ضاع من سنين بعدها، وعوضتها ما قاسته من شقاء السنين الطويلة في الكد والتعب والتربية…الخ.
إلا أن الأيام الجميلة في حياتنا؛ مثل الربيع؛ قصيرة..!! إلا ترون كم هو قصير فصل الربيع، يمر علينا كأنه لم يأتي..!! كزائر ليل يلقي بعباءته ثم يمضي، وهكذا ساقني القدر من جديد إلى المنافي عام 2004، ولكن هذه المرة كان منفاي اختياريا، وليس ببعيد جدا، وفي المنافي الاختيارية يتاح الاتصال والتواصل، ولكن إلى حين، حيث ألقت الأوضاع الأمنية المتردية في العراق ظلالها على حياتي، لأفقدها جزئيا منذ مطلع عام 2008. فصرت اجتمع بها سنويا، يضمها داري المتواضع بين حناياه، كلؤلؤة غالية، تحيطها اذرع الحب بالحماية، تزورني على فترات متباعدة، تقضي معي شهرا، بكل ما أثقلها به الزمن من سنن التنكيس، وأمراض الشيخوخة، وغيبوبة الزهايمر، هو شهر، من أجمل شهور السنة، أتحول بين يديها طفلا، يتنطط كقرد يبحث عن اللعب، أضم راسي بين ذراعيها، تداعب شعري كما كانت تفعل، وتدندن بنغمات أغانيها البدوية التي لطالما صدحت بها حنجرتها حين كانت في عنفوان الشباب، يوم لم يكن لمثلها متاح (الغسالة، والمكنسة الكهربائية، والخلاط، والمكواة البخارية…الخ) كانت مكوك يدور بلا توقف، تغسل تلال من ملابس العيال المترددين على المدارس، وتخبز طشطا مليئا بالعجين في تنورها الطيني الذي توقد جمره بالأخشاب والأعواد، وتحمل هم المعيشة والعازة التي أوجبتها كثرة العيال، وقلة الحيلة، انه دولاب الزمن يدور فيسحق تحت بندوله الأيام سحقا..!!.
لازلت انتظر زيارتها الربيعية لي، بينما اكتب لكم هذه الكلمات، ولازلت أتابع وضعها الصحي عبر الهاتف، ولازال صوتها يسلي وحشة أيامي كل يوم عبر الهاتف، تتعقبني بدعواتها، وتسال عن عيالي، عن دراستهم، عن صحتهم، كأنها لا تقدر أن تعيش بدون تضحية، إلى آخر يوم لها في عمر الزمن.
لازلت أبلل وسادتي بالدموع في كل ليلة تعود إلي خواطر الطفولة البريئة، يوم كنت أفكر بفقدها وموتها، الفرق أن ما يراودني هذه المرة ليس خواطر بريئة، بل هي مسلمات رجل يمضي به العمر حثيثا باتجاه الستين، ويدرك يقينا أن الموت حتمية أزلية لابد منها، وليس من وقوعه مفر، وأن بقائها المزيد من الوقت في أرذل العمر عذاب لها وشقاء ليس يريحها منه إلا الموت، وحسب الموت أن يكون لبعض الأدواء شافيا، كما قال المتنبي، (كفى سقما أن يصبح الموت شافيا..وحسب المنايا أن يكن أمانيا).
إلا أن الرجل العاقل الذي يتحول بين يدي أمه طفلا يتنطط ويرقص مثل القرود، لايملك أن يكون ذاك العاقل نفسه حين يفكر في موت أمه، لايملك ألا أن يكون هو نفسه الذي يسطر هذه الكلمات ودموعه تنساب على خدوده كطفل فقد أمه وسط الزحام في ساعة الظهيرة.
هذا جانب يسير جدا من قصتي مع أمي، أسردها في هذا المقام لعلها تكون عبرة وعضة لكل من له والدين على قيد الحياة، لعل في قصتي دافعا لاستغلال وجودهما والتنعم ببركة حياتهما.

Advertisements