تقرير نشر في مجلة المجتمع الكويتية
محمد صادق أمين – شمال العراق

العراق بلد التنوع والتعدد الديني والقومي والمذهبي والعرقي والاثني، فالشعب العراقي الذي يتجاوز تعداده أكثر من خمسة وعشرين مليون نسمة، يشكل المسلمون فيه أغلبية ساحقة، على الرغم من ذلك تتواجد أقليات كبيرة وصغيرة من (المسيحيين كلدان وآشوريين، واليزيدية، والصابئة المندائية، والكاكائية..وغيرهم).
الأغلبية الساحقة من المسلمين تتعدد في انتماءاتها القومية بين ثلاث قوميات رئيسية وبحسب الترتيب ( العرب، ثم الأكراد، ثم التركمان).
ثم يتنوع العرب المسلمون في انتمائهم المذهبي إلى (سنة و شيعة) ويشكل السنة من العرب والأكراد أكثرية بسيطة بالقياس إلى الشيعة حسب الوقائع والأرقام المتاحة، فيما يؤكد الشيعة العرب على أنهم الأكثرية في العراق وهو ما نجحوا في تثبيته على صعيد الرأي العام الدولي والمحلي، على الرغم من عدم وجود أي سند واقعي أو إحصائي لهذا الأمر.
قبل احتلال العراق عام 2003 لم يكن احد من العراقيين يعرف أو يسأل من الأكثر(الشيعة أم السنة)، لم يكن يعرف العراقيون التقسيم الجغرافي المذهبي الذي قسم بغداد العاصمة إلى ما سماه البعض تندرا (سن ستان) و(شيع استان)! هذا التقسيم جاء بعد احتلال العراق الذي قسم العراقيين إلى معارضة تتجسد في (السنة) وموالاة (شيعة وأكراد) بحسب الاحتلال، نحاول في هذا الاستبيان القصير أن ننظر إلى حقيقة هذا التقسيم الأمريكي للعراقيين، لنعرف هل حقا أن العراقيون ينظرون إلى الاحتلال بحسب انتماءاتهم؟ من خلال حوارات قصيرة مع زملاء صحفيون عاملون في الصحافة العراقية.

سنة العراق بين المقاومة والمشاركة في العمل السياسي..!
الصحفي (عمر الحيالي) (عربي سني) يعمل مراسلاً لصحيفة الشرق الأوسط في مدينة الموصل..
هل صحيح أن مقاومة الاحتلال الأمريكي هي مقاومة سنية خالصة؟.
“اعتبار العرب السنة الجهة الوحيدة التي تقارع الاحتلال الأمريكي في العراق فيه تدليس وغبن للطوائف العراقية الأخرى التي تقارع الاحتلال، صحيح أن العرب السنة هم الأكثرية في صفوف المقاومة العراقية، إلاّ أننا لا نغفل ما تقوم به الانتماءات الأخرى في تسديد ضربات للاحتلال الأمريكي، فجيش أنصار السنة هو الجيل الثاني لجيش (أنصار الإسلام) الكردي، والذي تلقى ضربات عدة في معارك الغزو عام 2003، وكذلك هناك كتائب شيعية تقارع الاحتلال، ثم لا ننسى مليشيا (جيش المهدي) والمعارك التي خاضتها مع الاحتلال الأمريكي في النجف ومدينة الصدر بغض النظر عن هدف جيش الهدي من وراء الدخول في هذه المعركة، وبنفس الوقت أعود وأقول إن غالبية كتائب المقاومة العراقية هي من العرب السنة لشعورهم بالغيرة على تراب بلدهم.
هناك من يقول ان السنة يقاومون الاحتلال لانه سلبهم الحكم الذي كان متركزا في ايديهم قبل 2003؟
“لا يمكن اعتبار أن المقاومة جاءت بسبب كون الحكم قبل الاحتلال كان بيد العرب السنة، فهذا أمر مغلوط لأن الذي كان يحكم العراق هو (صدام حسين) فقط وهو عربي سني، إلاّ أن هناك عدداً لا يُستهان به من قيادات حزب البعث والوزراء والمسؤولين الكبار من الشيعة، بل إن عدي النجل الأكبر لصدام، كان يسيطر على أجهزة مهمة في زمن حكم والده منها الإعلام والرياضة والشباب والثقافة وغيرها، وقد أفسح المجال بشكل كبير لتغلل الشيعة وارتقائهم في مناصب مهمة في هذه الأجهزة، حتى إن البعض شك في اعتناق عدي للمذهب الشيعي.
كيف تصف موقفك كسني من الاحتلال والحكومة العراقية؟
الموقف السني من الاحتلال هو موقف يتوافق مع الشرائع السماوية والأرضية، فكل إنسان يغتصب بلده ماذا يكون موقفه من المحتل؟ حتى الرئيس الأمريكي الحالي بوش نفسه قد صرح بذلك حينما علق على فعاليات المقاومة في العراق قائلاً: لو كان بلدي محتلا لقاومت الاحتلال!! فماذا تريد من الموقف السني.
أما التمايز فهو على صعيد القيادات السياسية؛ فالعرب السنة كانوا مظلومين في حكم صدام حسين، وكانوا من المعترضين عليه، وكذلك الآن فإن الإخوة الأكراد والشيعة لا يريدون أن يبقى بلدهم محتلاً، وأما من ناحية العملية السياسية فإن السنة قد أصبحوا شريكاً مهماً في الحكومة، على الرغم من حملات الإقصاء والإبادة التي مورست بحقهم من قبل الاحتلال الأمريكي والحكومات التي تعاقبت في زمن الاحتلال، الآن العرب السنة مقتنعون بضرورة العمل السياسي”.
الأكراد بين التحرير والاحتلال
يحيى عمر ريشاوي ـ رئيس تحرير جريدة الأفق الجديد ـ (كردي) من مدينة السليمانية (حلبجة).
كيف تنظر كعراقي كردي إلى الاحتلال؟
” الحرب على العراق أسفرت عن مفاهيم ومصطلحات جديدة في دنيا السياسة والإعلام، فالفصل بين ما هو احتلال وما هو تحرير ليس بالأمر الهين..ومن يدّعِ بأن ما حصل في العراق هو تحرير بكل معنى الكلمة فقد وقع في خطأ سياسي كبير، وكذلك من ينادي ليل نهار بأن العراق احتل من قبل الأمريكان لم يصب كبد الحقيقة، فلا أحد يمكنه الادعاء بأنه وقبل 9/4/2003 لم يكن يرغب بأن تأتي قوات من وراء البحار، وتخلص الشعب العراقي من سني الكبت والحرمان، لو تفحص أي عراقي قراره بنفسه وحاور نفسه بصدق فسيكتشف هذه الرغبة الدفينة في التخلص من الدكتاتورية، ومن القمع الذي كان يُمارس في زمن النظام السابق (وهي الطبيعة البشرية السليمة) وكل من يدّعي بأن العراقيين كانوا في بحبوحة من العيش، وكان الناس في برد و سلام فإنه إما أن يغالط نفسه، أو حصل لديه ردة فعل بفعل الاختلاف الإيديولوجي والفكري مع هذه القوات.
إذن فالمسألة تحتاج إلى قراءة موضوعية للواقع العراقي بكل معطياته، وليس إلى ردة فعل عاطفية سواء مع أو ضد الغزو، وبرأيي فإن العراقيين قد تحرّروا من دكتاتورية النظام السابق ولكن التصرفات المشينة واللامسؤولة للقوات الأمريكية والبريطانية، وكذلك للحكومة العراقية قد أنستهم سني الضيم (والإنسان مشتق من النسيان!) و بات الكثير منهم (نتيجة ردة الفعل يسمي هذه القوات بالمحتلة والغازية أو المستعمرة وغيرها من المسميات، وخاصة الذين لا قدرة لهم على مقاومتها باليد، فأقل ما يمكن أن يعبروا به عن غيظهم هو إطلاق هذه العبارات”.
هل صحيح ما يقوله البعض أن الكردي يعتبر الوجود الأمريكي في العراق تحرير؟.
: “الواقع الكردي يختلف عن عموم الوضع العراقي بقليل؛ إذ إن قساوة القمع وشدة الظلم الذي وقع على الشعب الكردي جعل من نفسية الإنسان الكردي في حالة تحفز دائم للانتقام من الذين مارسوا ضده هذا البطش والظلم مهما كانت الوسيلة لتحقيق هذه الغاية، فترى المواطن العادي يرحب بهذه القوات حتى لو اكتشف بعد حين أن هذه القوات ما جاءت لسواد عيونه؛ لأنه وببساطة يريد أن يقنع نفسه بأنه وجد أخيراً في المجتمع الدولي من يتفهم مظلوميته، وينصفه ضد ممارسات الدكتاتورية وقمع النظام السابق له ليل نهار، ولذلك فإنه يظل يحلم بالتحرر والتخلص من الظلم، و يتشبث بكل قشة حتى ولو جرحت هذه القشة أصابعه! والسياسي والقارئ للواقع العراقي الراهن لا يمكنه أن يجزم بنعم أولا للتحول نحو الأحسن أو الأسوأ؛ فالوضع المتشابك وعدم توقع الإنسان العراقي لوجود أحسن مما هو موجود الآن يجعله في حيرة من أمره، وليس ببعيد أن تقرأ استطلاعين لرأي في يوم واحد بين العراقيين ما بين متفائل بالوضع الراهن (لأنه لا يريد أن يعود إلى أيام الحصار واحتلال بلاد الله وتكميم الأفواه)، وما بين متشائم إلى حد النخاع؛ لأنه يرى بأم عينيه كل يوم التدهور في الخدمات والفساد الإداري والمحاصصة الطائفية والإرهاب المقيت ودبابات الاحتلال”!.
التركمان .. الولاء التائه
الصحفي (سامان كركوكلي) تركماني من مدينة كركوك يعمل محرراً سياسيا في مجلة الحوار
هل لتركمان العراق رؤية مغايرة للوجود الأمريكي في العراق؟
” التركمان في العراق ينقسمون إلى أكثرية سنية وأقلية شيعية، السنة يعتبرون وجود القوات الأمريكية في العراق احتلالاً واغتصاباً للأرض والعرض والمقدرات، ويميلون نحو العرب السنة، ويتعاطفون معهم إلى درجة التطابق في المواقف والرؤى، بل ويربطون مصيرهم بمصير العرب السنة.
أما الطرف الثاني (الشيعة) فإن ولاءهم الطائفي أكبر من ولائهم القومي، لذا فم يتبعون الموقف العربي الشيعي الذي يعتبر دخول الأمريكان للعراق تحريراً له، ويمكنني أن أؤكد لكم أن الرابط المذهبي لكلا الطرفين عامل غائب وهو من أهم أسباب تفرق القومية التركمانية في العراق، بعكس تماسك الموقف الكردي وتوحده، فعلى الرغم من كون الأكراد سنة إلاّ أنهم مختلفون مع العرب السنة في المواقف ومتحدين وراء الانتماء القومي.
لماذا صوت التركان منخفض في العراق بالقياس على الأطياف العراقية الأخرى؟
أضيف إلى ما قلته آنفاً حول سبب تفرق التركمان وصوتهم المنخفض بالقياس على الأطياف العراقية الأخرى هناك سببان آخران هما:
أولهما: داخلي وهو الأهم برأيي؛ فالقيادات التركمانية لا تستند إلى قواعد عمل سياسي في التعامل مع الوضع العراقي المستجد، وتنقصهم الخطط والإستراتيجيات الواضحة في التعامل مع القضية التركمانية.
والثاني: خارجي إذ إن الصراع القومي في المنطقة دفع أطراف مختلفة من مصلحتها خفوت صوت التركمان لكسب عدد غير قليل من القيادات التركمانية الانتهازية المتاجرة بالمواقف والشعارات، لذلك ضاع الشعب التركماني بين شد هذا وجذب ذاك في الوضع العراقي المستجد الذي هو وضع الاستقطاب الطائفي والقومي.
كيف تنظر إلى المقاومة في العراق؟
برأيي الأوراق قد اختلطت في العراق بشكل يصعب على المتابع للوضع أن يفرق بين الإرهاب والمقاومة، فما يجري من تخريب للبنية التحتية ومن قتل للمدنيين في الأسواق والمساجد والشوارع يُنسب ظلماً وجوراً للمقاومة! وهو في حقيقة الأمر تصفية حسابات لدول الجوار على الساحة العراقية قد يُستخدم فيها بعض المتطرفين الإسلاميين كأداة من حيث يعلمون أو لا يعلمون، وهناك من ينسب هذه الأعمال إلى قوات الاحتلال لتشويه صورة المجاهدين الذين يستهدفون القوات المحتلة! برأيي ما يجري في العراق خليط من أعمال المقاومة الشرعية ومن الإرهاب، ومن أعمال المتطرفين الذين يكفرون المجتمعات، ويستحلون دماء الأبرياء، على ألاّ ننسى المصلحة الأمريكية في التشويش على المقاومة الشرعية.
المخرج من المأزق العراقي هو في “حكومة عسكرية تنقلب على مجمل الوضع الراهن، علمانية لا تؤمن بالطائفية ولا القومية ولها توجهات ديمقراطية بعض الشيء، وهذا للأسف قناعة الكثير من العراقيين كمخرج من الأزمة..”.
الشيعة .. الرأي الصامت
عبد الحسين الساعدي سكرتير تحرير جريدة ( الفيحاء) ـ عربي شيعي من محافظة البصرة.
دأبت أدبيات المذهب الشيعي على تسمية أمريكا بالشيطان الأكبر، لماذا تحولت في العراق إلى حمل وديع؟
“الشيعة يرون الشيطان الأكبر هو الشيطان الأكبر في لبنان أو في العراق، وفي أي مكان آخر من زاوية المذهب الشيعي الذي قاد ثورة العشرين في العراق ضد الاحتلال البريطاني، لكن المذهب يتيح لأتباعه مبدأ مهم للغاية وهو (التقية)؛ إذ يمكنك أن تتعامل مع خصومك وأعدائك على حد سواء بأن تظهر لهم المودة وتبطن لهم الخصومة، والشيعة يعتبرون إقصاءهم عن الحياة السياسية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1920 جاء بإرادة المحتل البريطاني بعد قيادتهم لثورة العشرين، ومن ثم خرج المحتل وسلم مقاليد الدولة للسنة حتى سقوط بغداد عام 2003، وجهة النظر هذه تعتبر أن استخدام التقية مع الأمريكان وموالاتهم لحين خروجهم من العراق ستؤدي إلى نتيجة عكسية، وبناء على هذه المقدمة يبني بعض المراجع المعتمدين في العراق مواقفهم من الاحتلال ويدعون إلى عدم مقاومته!، حتى تيار السيد مقتدى الصدر الذي كان يُعرف بالتيار العروبي بسبب تمسكه بنهج المقاومة تم تغيير مواقفه من القضية بهذه الطريقة أولاً، وكرد فعل على إعلان القاعدة الحرب على الشيعة دون أن يكون لمراجع السنة في العراق موقف واضح ومحدد من هذا الإعلان ثانياً.
أنا أرى أن الساسة الشيعة إنما يخدعون أنفسهم بهذه التقية؛ فالمخابرات الأمريكية لا تخفى عليها هذه الأمور، وإنما هدف اليمين المتصهين في أمريكا هو إشعال حرب أهلية ليس في العراق بل في عموم المنطقة والعالم الإسلامي؛ انتقاماً لأحداث الحادي عشر من سبتمبر حسب تصوري لذلك ترى هذا التمييز في التعامل بين المناطق السنية والمناطق الشيعية، وما أراه أنهم نجحوا في تحقيق الجزء الأكبر من هذا الهدف.
كيف تنظر للوجود الأمريكي في العراق؟
“أنا شخصياً أنظر إلى وجود القوات الأمريكية في العراق على أنه احتلال غاشم، وأشدد هنا على أن موقف السواد الأعظم من أبناء الشيعة العرب في العراق هو هذا الموقف، ولكن ما يجري هو فصام نكد بين القيادة والقاعدة، وأتصور أنه هذا الفصام سيتحول إلى ثورة عارمة، ولولا هذا الاستقطاب الطائفي الذي توظفه هذه القيادة لتخويف الجماهير من بعبع قادم لحصلت الثورة منذ زمن”.

Advertisements