أكثر من عامين أمضيتهما في مجال التدريب الإعلامي للصحفيين في محافظتي (الموصل وكركوك) بالتعاون مع إحدى المنظمات الدولية المهتمة بهذا المجال، قدمت خلالهما حوالي خمسين ورشة عمل بمعدل ورشتي عمل كل شهر، تعرفت خلال هذه الرحلة المعرفية الشاقة الممتعة على العشرات من الزميلات والزملاء الصحفيين العاملين في ميدان الإعلام العراقي المملوك في معظمه للأحزاب العراقية بمختلف توجهاتها ومرجعياتها وأيدلوجياتها، أثيرت خلال اللقاءات مئات القضايا والمسائل التي وضعت على مشرحة البحث والتدقيق والفحص والمراجعة، توصلت من خلال الاستماع إلى مشاكل الزملاء ومناقشتها لاستنتاج مجمل بهموم ومشاكل ومصاعب تعترض الصحفي العراقي في رحلة البحث عن المتاعب؛ يمكنني أن ألخصها بـ

(تعرضهم للاغتيال الجسدي على يد مسلحين مجهولين يستهدفون الصحفي فقط لكونه صحفي!، تعرضهم للاغتيال الجسدي على يد مسلحي الأحزاب والملشيات والتنظيمات العسكرية المختلفة على خلفية نشر مسائل تتعارض مع توجهات تلك الجهات، تعرضهم للتصفية الجسدية أو الاعتقال والتعذيب على يد الأجهزة الأمنية الحكومية أو شبه الحكومية أو المحسوبة على الحكومة بسبب تناول قضايا تتعارض مع سياسات الحكومة أو تتعرض لرموز الحكومة، تعرضهم للقمع على يد الوجهاء والشخصيات والوزراء والمسؤولين الحكوميين أو على يد حراسهم ومتبوعيهم بناء على أهواء الشخص وقناعاته التي قد يتعارض معها الصحفي أو يتقاطع معها، تعرضهم للقمع الفكري والمعرفي على يد الأحزاب السياسية التي يعملون في مؤسساتها الإعلامية خصوصا في حال تناولهم للقضايا والمسائل العامة بموجب مقتضيات الحرفة الصحفية من حياد وموضوعية لأن هذه الأمور لا تعني الأحزاب بغالبها بقدر ما يعنيها تحقيق مصالحها السياسية والفكرية، تعرضهم للتسفيه والتشهير على يد بعض رجال الدين الذين يقحمون الدين ونصوصه أحيانا في تقييم الأداء الصحفي ونوع القضايا التي يتعرض لها،…) هذه جملة قواسم مشتركة لهموم ومعاناة الصحفي العراقي، غير أن الدخول في التفاصيل الدقيقة لما واجهه ويواجهه الكثير من الزملاء يعني أنك ستسمع ما يشيب له الولدان ويخجل جبين الإنسانية، ولأجل ذلك عد العراق البلد الأشد فتكا بالصحفيين في العالم فقد تعرض صحفيون للقتل بأعداد غير معهودة من قبل خلال عام 2007، ما جعله العام الذي شهد أكثر عدد من حالات قتل الصحفيين منذ ما يزيد على عقد، وذلك وفقا للتحليل الذي أجرته لجنة حماية الصحفيين لحصيلة العام الماضي، حيث وجدت اللجنة أن عدد الصحفيين الذين قتلوا خلال عام 2007 لأسباب مرتبطة مباشرة بعملهم وصل إلى 64 صحفيا- بزيادة ملحوظة عن حصيلة العام 2006 التي بلغت 56 قتيلا..وقال (جويل سايمون) المدير التنفيذي للجنة حماية الصحفيين، :”العمل كصحفي في العراق يظل من أخطر الأعمال في العالم، ويتعرض العاملون في الصحافة للملاحقة والقتل على نحو منتظم يثير القلق، كما يتعرضون للاختطاف تحت تهديد السلاح ثم يظهرون لاحقا وقد قتلوا بالرصاص في مكان الاختطاف، هؤلاء الذين يتعرضون للقتل هم دائما تقريبا من العراقيين، ويعمل العديد منهم مع وكالات الأنباء العالمية، ويضحي هؤلاء الصحفيون بحياتهم كي نتمكن نحن من معرفة ما يحدث في العراق”.

حين كنت اختار مواضيع ورشات العمل بناء على البعد المعرفي الأكاديمي للصحافة مثل: (حرية الوصول للمعلومات، حرية التعبير والنشر، التوازن في طرح القضايا وتناولها أو ما يعرف بالرأي والرأي الآخر، السب والقذف والتشهير والموقف القانوني، كتابة الأخبار والتقارير، التحقيق الصحفي…الخ) كنت اكتشف من خلال النقاش مع الزملاء الصحفيين خلال الورشة أننا نتكلم عن مسائل ومعاني ومفاهيم مثالية لا وجود لها فعليا على أرض الواقع، فالموجود هو على النقيض تماما في بلد يعتبر حدثا في مسيرة الديمقراطية المتطاولة عبر القرون..!.

ولكي لا يدخل كلامي في إشكالية الاقتصار على توصيف الظاهرة والبكاء على أطلالها دون تشخيص السبب واقتراح العلاج؛ أحب أن أطرح تصوري المتواضع عن سبب هذه الظاهرة، وهو بكل بساطة وبدون تعقيد (غياب دولة القانون) في العراق، فما أصاب العراق بعد عام 2003 من هرج ومرج وقتل وفساد كان سببه (غياب دولة القانون)، فنحن لا نفتقر للقوانين والتشريعات والأنظمة التي تسير بالحياة بعيدا عن قانون وشريعة الغاب، ففي العراق تشريعات وقوانين منذ زمن حمورابي، لكن ما حصل بعد عام 2003 كان غيبا للسلطة التي تحمي (دولة القانون) لنكتشف اكتشافا مرا علقما على النفس!؟ أن دولة القانون كانت موجودة حاضرة في بلدنا بسلطة الدولة وبحديد الدكتاتورية ونارها، إلا أنها كانت غائبة في النفوس ضائعة مضيعة، فهب من له (دولة) وليس له (قانون) ليسرق مقدرات الدولة وبناها التحتية ويحرق ما لم يقدر على سرقته..بنفس المعنى وبنفس النظرية تداعت الميلشيات والمجاميع المسلحة وأمراء الطوائف وأجنحة الأحزاب العسكرية وكل من له نفوذ وسلطة وصولة وصولجان من رجال دين وشيوخ عشائر وغيرهم لينفذوا الحلقة الثانية من مسلسل (غياب دولة القانون) بعد أن أعادوا الشعب والغوغاء والدهماء إلى عقالهم بقوة الدكتاتورية وحديدها ونارها، لينطلق مسلسل القتل والقتل المضاد، والتهجير والتهجير المضاد، وتصفية الحسابات السياسية بالبنادق العسكرية، ففتحت الساحة العراقية أمام المجرمين الذين تحولوا إلى مافيا منظمة، وأمام مجاميع الجواسيس وعملاء المخابرات، وكل من له غرض أو عداوة مع هذا الطرف أو ذاك، فصارت الجثث المجهولة عناوين يومية نقرؤها في صحفنا ونحن نتناول وجبة الإفطار.

لـ(غياب دولة القانون) بات الصحفي عرضة (للقتل، والتهجير، والسجن، والقمع، والتهديد، والطرد من العمل) بغض النظر عن أجندة العملاء والجواسيس والمرتبطين بالخارج، مسلحو الملشيات والأحزاب والقوى الاجتماعية استغلت (غياب دولة القانون) وراحت تملي على الصحفي ما يقول وما لا يقول فبات في ضمير كل صحفي منا رقيب ذاتي يذكره أن العبارة هنا تثير الجماعة الفلانية، والجملة هناك تستفز الفئة الفلانية، والقضية الفلانية تستدر الموت، فغابت الحقيقة بـ(بغياب الصحفي) مقتولا بالجسد مقبورا في التراب، أو مقتولا بالروح مدفونا في ذاته وعقله الباطنين، والكل خاسر بغياب الحقيقة وضياع سلطة الشعب المطلقة (السلطة الرابعة).

العلاج؛ ليس في البرلمان بأن يسن لنا القوانين والتشريعات! وليس في دوائر الأمن ودبابات العسكر! العلاج في (سيادة دولة القانون) في نفوس أفراد الأمة بالاختيار لا بإكراه الحديد والنار.

يتعجب من يزور منا أوربا وأمريكا باحترام الناس للإشارة الضوئية، والحفاظ على سلامة البيئة، ورمي النفايات في محلاتها، واحترام الحرية الشخصية…الخ ولا عجب..!! فقد سادت دولة القانون في النفوس فكان واجب الدولة مقتصرا على التشريع والتنظيم، وواجب أجهزة الأمن ملاحقة الشواذ عن الأصل والقاعدة وإخضاعهم لـ (دولة القانون)..برأيي المتواضع أنني وضعت يدي على مشكلة الشرق كله، الذي خضع للدكتاتوريات منذ أزمنة بعيدة، فبات لا يعرف سيادة لـ (دولة القانون) إلا بالجبر والإكراه، وهنا أسوق طرفة حقيقية حصلت أمامي لسيدة عراقية بسيطة قيل لها: أن الرئيس في العراق سيتغير كل أربع سنوات؛ فردت متعجبة (ويلي.. سيكون عندنا حواسم كل أربع سنوات)..!! والحواسم في الثقافة العراقية كناية عن عمليات السلب والنهب التي حصلت بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003.

من هنا تكون بداية التغيير من (النفوس) التي تدرك أن سلطة (دولة القانون) مصلحة مطلقة للكل لا مفسدة من ورائها إلا للمجرم المتمرد على (التحضر) الذي لايتحقق إلا بدولة وقانون، إذا كان لابد من عمل لإصلاح الأوضاع في العراق وفي بلاد الشرق عامة؟ لابد أن تكون البداية من هنا.

Advertisements