كل عام مع دخول شهر ربيع الأول تعم الاحتفالات والأفراح بمقدم ذكرى مولد رسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم فتتزين الشوارع والجوامع، فيصيب النفس من شذى الميلاد عبقٌ يرّوح عنها ما تتركه الأخبار طوال العام من حسرة وشديد ألم على ما آلت إليه أوضاع الإنسانية عامة؛ وأمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، فالحروب والقتل والقتال باتت عناوين يومية لا انفكاك عنها للإنسان المعاصر، وهو ما ينبئ بعظيم الخطر الذي آلت إليه الحياة على كوكبنا الأزرق، وهي بحاجة إلى من يخرجها من الوهدة التي هوت فيها.

ذكرى المولد أهلت هذا العام والأمة الإسلامية تواجه تحد جديد من نوعه يضاف إلى جملة التحديات التي تتعرض لها، التحدي يتجسد في إساءة من تطاولوا على شخص الرسول الكريم a بدعوى حرية التعبير، وهي إساءة مقصودة وممنهجة بقصد اختبار امة المليار بالإساءة إلى رمز القداسة فيها صلى الله عليه وسلم.

في تقديري أن الإساءة جاءت ضارة بمشاعرنا وحبنا لديننا المتجسد بحبه صلى الله عليه وسلم ولكن..رب ضارة نافعة؟!..

فلقد حفز هذا الأمر في نفوس أبناء هذه الأمة الطاقات وحرك سواكن النفوس، فراح كل منا ينتصر لرسوله الكريم بطريقته ويعبر بأسلوبه، فانتشرت البرامج في الفضائيات، وكثرت على الجدران الملصقات، وفي الصحف المنشورات، وتواصل المسلمون عبر الايميلات، تجمعهم دعوة النصرة للإسلام والغيرة على النبي الكريم a، فالشعوب المسلمة التي فرقتها النعرات والعصبيات أفاقت على خطر مشترك يهدد مقدسا مشتركا يتسامى على كل انتماء وكل عصبية، فتوحدت خلف نبيها a تدافع وتنافح بكل وسيلة متاحة.

ذكرى المولد هذا العام كانت مناسبة لتجديد البيعة للرسول الكريم a من اتباع دينه، رأيت ذلك متجسدا في لافتات ازدحمت بها الشوارع، فكل المحلات والشركات والدكاكين والمطاعم والمخابز..الخ حرصت على تعليق لافتة ولو صغيرة تحييّ فيها الذكرى، حتى الأشخاص المصنفين على أنهم غير ملتزمين بالشعائر الدينية هزتهم الغيرة على رسولهم فشاركوا في احتفالية تجديد البيعة، ولقد سمعت بأذنيّ عبر بعض الفضائيات رجالا ونساء يتعهدون عبر الاتصالات الهاتفية بالالتزام بالشعائر نصرة للنبي صلى الله عليه وسلم.

حقا انه لدافع عجيب ذلك الذي يدفع الناس للإنفاق من جيوبهم وموالهم الخاصة على مظهر وتقليد انتشر يمكنهم من التعبير عن مكنونات النفوس وخلجاتها، وهذا يذكرني –مع الفارق بالتشبيه- بما مر علينا معاشر العراقيين خلال السنوات العجاف من حكم الدكتاتورية بموسم تجديد البيعة (للقائد الضرورة)، حيث كانت السلطة تسوق الناس بسياط التخويف والإرهاب والترهيب للتبرع للاحتفالات الباذخة، والسير في المسيرات الصاخبة، وكانت السلطة ترغم كل صاحب محل ودكان وشركة ومطعم على تعليق لافتة (نعم .. نعم.. للــــــــــــــ) أتذكر في كل ذكرى عشرات من معارفي وهم يعقلون لافتاتهم مشفوعة بسيل من السب والشتائم واللّعنات، وكل يفعل ذلك حسب ثقافته وعلمه وتدينه، فالبعض يخرج من فيه بذاءات السب والشتائم لصاحب البيعة ما يستحى من تسطيرها المداد، والبعض يكتفي بالدعوات التي ما لبثت أن فتحت لها أبواب السماوات، فوسعت أصحاب بيعة الإكراه مزابل التاريخ وسطرت أسماءهم في سجلات الخالدين في مزابلها.

فرق كبير بين مبايع بالروح والدم والغالي والرخيص والنفس والنفيس، ومبايع بسيف السلطة وقوة الإكراه، أي ملك وأي عظيم من عظماء الأرض افلح في سوق شعبه ورعيته للمبايعة بالإجماع وبالدم والدموع غيرك يا رسول الله؟ صلى عليك الله صلاة دائمة بدوام الأرض والسماوات، صلى عليك الله وجعل حبك سجية تتناقلها الأجيال؛ وهل من كرامة لبشر بعد هذه الكرامة من كرامة؟.

أخيرا..أقول واثقا أن امة محمد (صلى الله عليه وسلم) بخير، وسائرة نحو الخير، وعاقبتها خير، على الرغم من الخطوب والتحديات والمصائب والآهات، وما يظهر من حوادث ظاهرها محن وكروب..! لأن التاريخ وسنن الكون علمتنا أن ميلاد النصر والفرج كامنة في قلب المحنة، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.

 

     

Advertisements