الوطن؛ كلمة لطالما تعلقت معانيها في أذهاننا، فالإنسان وطنيٌ بالفطرة، وأذكر يوم كنا طلابا في المدارس نفرح حين يأتي موضوع (الوطن) كمادة للإنشاء في الامتحان، إذ أن المعاني والمفردات والأفكار تأتيك سلسلة ميسرة، فالوطن هو الحبيب الذي نفديه بالروح، وهو الذي ننتمي إليه كما ينتمي الطير إلى عشه؛ و و و…الخ مما لُقّنا.


وصورة (الوطن) وماهيته تتشكل في عقولنا بناء على مؤثرات عديدة، تبدأ من مرحلة الطفولة فالوالدان يعطياننا أول صورة وأول مفهوم عنه، ثم البيئة، ثم المدرسة، ثم اتجاهنا الذي نحدده في الحياة بعد البلوغ على صعيد الايدولوجيا والفكر والسياسية والثقافة، وبناء على كل ما تقدم يتم تعريف (الوطني)، لذلك حرصت الأنظمة الشمولية في العالم على السيطرة على مرافق التعليم ووسائل الإعلام والتثقيف، حتى تحدد هي بنفسها ماهية (الوطن) ومن هو (الوطني)، ومن يخرج عن تعريفها لهما فهو ليس (وطنيا) وبالتالي ليس من حقه أن يعيش على أرض (الوطن)، وفي أفضل الأحوال يهجّر خارجه أو يودع في باطن أرضه، فظاهر الأرض (للوطنيين) وباطنها لغير الوطنيين.

ومن يذكر فإن ثورات وانقلابات قامت في منطقتنا تحت شعار حماية (الوطن) وإنقاذ (الوطنية)، قام بها العسكر أو بمساندة من العسكر، وما كان يجمع الثوار على اختلاف المشاعر والشعارات(الوطنية)؛ ثم ما لبث المنقلبون أن انقلبوا على بعضم البعض وتحت نفس الشعار(الوطن، والوطنية) صفّى بعضهم بعضا حتى صفت الأمور لمجموعة منهم وأحيانا لشخص واحد، قال فيه قائلهم:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
ومن ذلك التاريخ أصاب (الوطن) ومعنى (الوطنية) ضبابية؛ فما عدنا نعرف ما هي الصفات التي يجب أن تتوفر فينا كي نكون (وطنيين) هل هو الانتماء للأرض؟ أم هو العمل على مصلحة الملة؟ أم هو خدمة الدين؟ وفي واقع الحال لا هذا ولا ذاك يصنفك (وطنيا) لأن (الوطني) بكل بساطة هو المخلص الوفي للقائد الهمام وحزبه الضرغام، فإن بلغت هذا المقام الرفيع وهذه المنزلة السنية سقط عنك التكليف، وما عدت تسأل عما تفعل بعد أن وصلت مقامات الوطنية العالية.
فأصبح الحفاة العراة العالة رعاة الشاة (وطنيون) تذلل لهم مقدرات الوطن وثرواته فتطاولوا في البنيان وبغوا في الأرض يفسدون فيها ويهلكون الحرث والنسل، وبات المبدعون والمنتجون والمخلصون موزعون بين المهاجر والسجون والقبور قد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت فولوا مدبرين.
لازلت حتى الساعة ابحث عن (الوطن)..! وهل يصلح أو يصح أن يكون إنسانٌ بلا وطن..؟! وبما أنني لا اعرف ما المعنى الحقيقي (للوطن) فانا من باب أولى لا أعرف كيف أكون (وطنيا)..؟.
ما أومن به ولست مستعدا للتنازل عنه هو أن الوطن يساوي الحرية، فحين تستلب مني في مكان –ما- إرادتي وتنتزع مني حريتي وحقي في الحياة والاختيار لا اشعر أنني على أرض الوطن، وإن كان ذاك المكان مسقط رأس ومجمع أهلي وأحبابي، إذ لا تكفي هذه المعايير عندي لأشعر أنني على أرض (الوطن) وبالتالي يترتب على أن أكون (وطنيا)؛ ولو أن أرضا أو بلدا -ما- منحت فيها الحرية بكل معانيها ومعاييرها وتفاصيلها لكانت تلك الأرض وذلك البلد (وطني) ولكنت فيه (وطنيا) بكل معنى الكلمة، ولكم اسخر من ذاك الذي يختزل الوطن في خرقة وأصباغ يسميها (العلم)، فأرقبه وهو يحرص على اقتنائه وتلميعه وإن أصابه مكروه ترى أعينه تفيض من الدمع حزنا، وهو لا يملك من أمر وطنه شيئا، فلا هو اختار حاكمه، ولا هو يعرف أين تذهب ثروات (الوطن) ولانصيب له فيها، وربما لا يملك على ظهر الوطن الدعي شبرا من أرض، ما يعرفه أنه (وطنيٌ) ومدعوٌ لخدمة (الوطن) المختزل في العلم كونه (وطني)؛ فياله من وطن أحمق ذاك المختزل في رجل أو حزب أو خرقه..؟!!!
واليوم في عراقنا (الجديد) بات تعريف (الوطن) و(الوطني) من الضرورات الملحة، فكل شيء بات له قيمة على أرض (الوطن-العراق) إلا الإنسان، فروح الإنسان تهدر وحريته تستلب وكرامته تمتهن لأتفه الأسباب، بل وتحت شعار(الوطنية) التي بات كل يدعي بها وصلا ولا ندري هي لمن تقربالوصال؟.
فابن الحزب والطائفة والملة (الفلانية) لا يرى الوطن إلا فيهم، وبالتالي دم وعرض ومال المخالف حلالٌ مباح…وهكذا دواليك؛ وما لحمام الدم الذي نسبح فيه اليوم إلا هذا التفسير.. فهل سيعود لنا (الوطن) السليب؟ أم أن علينا أن نبحث عن وطن؟.

Advertisements