ألفن حاجه إنسانية رافقت الإنسان منذ بداية نشوئه للتعبير عن الجانب الشعوري فيه، وفي كل إنسان قدر معين من التصور الفني للحياة، وهذا القدر هو الطاقة الحيوية التي تأخذ صورا مختلفة باختلاف الأفراد وكل فرد يعبر عنها بأسلوبه الخاصٍ، الإنسان بحاجة ماسة للتعبير عن ما يرى من ظواهر في الكون والحياة تولد في نفسه الطاقة الحيوية فتتجسد على شكل رسم ونحت ورقص..الخ، فعاليات معبرة عن ما يعتلج في نفس الإنسان من أحاسيس فنية، وباختلاف الواقع الحضاري للأجيال اختلفت أساليب التعبير الفني لتأخذ أشكالا تتوافق مع عصر المبدعين، فالعمل الفني يتأثر في اتجاهه وشدته بمجموعه من العوامل قد يشعر بها أو لا يشعر، فالعمل الفني بدء بالرسم على جدران الكهوف وانتهى بتجسيد الفكرة الفنية بواسطة الكومبيوتر .

1-الانفعال 2-الإحساس 3-الفكر 4-الإلهام

فإذا تغلب الجانب الانفعالي العاطفي على الجوانب الأخرى صار يدرك الظواهر بعواطفه وانفعالاته فقط فتصبح الشخصية عاطفية المزاج .

وإذا تغلب الجانب الفكري صار يدرك الظواهر بفكره المجرد فتصبح الشخصية فكرية المزاج، وكذا إذا تغلب الجانب الحسي أصبحت الشخصية تدرك الظواهر بالأحاسيس فقط، أما حين يدرك الإنسان الظواهر بالهام حسي مميز فهذا هو النمط الفني، فالناس ترى الشمس تغرب خلف الأفق ظاهرة طبيعية مألوفة والإنسان الملهم ينظر إليها نظرة فنية تطبع في نفسه الانفعالات والمشاعر المختلفة فيسعى إلى تجسيدها والتعبير عنها فيحولها إلى رمز، هذا الرمز هو العمل الفني الذي قد يتجسد في قصيدة شعرية أو لوحة رسم أو معزوفة موسيقية ….الخ.

فبالحدس الملهم تتوالد الأفكار حتى تصل إلى مرحلة المخاض ومن ثم تولد في رمز وهي أفضل طريقة للتعبير عن الانفعالات الشعورية في النفس الإنسانية ولا يستطيع خلق الرمز إلا الذهن المرهف.

(بين العبقرية والجنون خيط رفيع): هذه المقولة حفزتني كثيرا إلى أن أتأمل فيها كثيرا واستقصي ما قال فيها الباحثون النفسانيون، فالعبقرية ظاهرة عرفتها البشرية منذ نشأتها في كل ميادين الحياة، ومنها الفنون، فالتاريخ يحفظ لنا أسماء فنانين عباقرة ما زالت أعمالهم الفنية محط اهتمام النقاد والباحثين والدارسين، وما زالت بعض هذه الأعمال تعتبر من الألغاز الفنية التي لم تفسر، مثل رائعة الرسام العالمي (ليوناردو) وهي لوحة (الموناليزا) التي فتنت كل من شاهدها طوال ما يزيد على400 عام فقد قال عنها موتر( إن ما يفتن الناظر هو الجاذبية السحرية في ابتسامة الموناليزا).

فهل العباقرة صنف متميز من الناس يمتازون بصفات خاصة حفزتهم على الإبداع؟ يرى بعض المحللين النفسانيين أن الإبداع نوع من المرض النفسي يشبه الاختلاجات التي تحصل للمرضى النفسانيين، يقول عالم النفس كوستلر koestler ((في العمل المبدع تنكص النفس أي تلجأ إلى العمليات العقلية اللاشعورية ويستعيد المبدع نفس الطفل الأصلية ومثل هذه الحالات النفسية شائعة عند الأطفال والذهانيين والحالمين والمبدعين، ولكن في الحالات المرضية تتراجع النفس دون أن تقفز فيما بعد، أما في حالة المبدع فأن الأفكار تترابط وترى الأشياء في ضوء جديد )).

ويؤكد الدكتور (كرتشمر) هذا الاتجاه في كتابه (سايكولوجيا العباقرة) أن الأمراض العقلية تؤدي بصاحبها في معظم الحالات إلى التأخر في قواه العقلية والتأثير السيئ في المجتمع، وفي حالات الأشخاص ذوي البنية الذهنية الخاصة والمواهب المتميزة فان تلك الأمراض تؤدي إلى تنمية نشاطهم كعباقرة ومبدعين، ويرى بان سيرة كثير من العباقرة توجب أن تستلزم عنصر المرض النفسي كعامل جوهري في شخصية العبقري أو المبدع بحيث لو افترضت استطاعته التخلص منها لكانت النتيجة المحتومة أن يفقد عبقريته أو إبداعه.

عام 1928 نشر الدكتور(لانج ايكياوم) كتابا عنوانه (مشكلة العبقرية) قرر فيه أن اقليه قليلة من العباقرة هم الذين لم يعرف عنهم أنهم عانوا من الاضطراب العقلي، في حين أن الغالبية العظمى كانت تعاني من اضطرابات ولو لفترة محدودة من الحياة وقد أورد فيها إحصائية تبين فيها أن 65 عبقريا من أصل 78 كانوا يعانون من الاضطراب العقلي والنفسي ومنهم على سبيل المثال:

1-فان كوخ: قال في أحد الأيام لامرأة أحبها: أتمنى أن أقدم لك هدية فقالت له مازحة (أذنك) فقطع أذنه وقدمها لها!وفي يوم من أيام عام 1890 أنهى فان كوخ حيلته برصاصه أطلقها على رأسه.

2-همنغواي:عانى من مرض الجنون الاكتئابي.

3-شيللي: كان هذا الشاعر يعاني من الهلوسات وكان يدعي أن القيمة الفنية العالية يمكن الحصول عليها من خلال الهلوسات .

4-روسو: كان يخشى البرق ويعتقد أن حدوثه موجه ضده وهو نوع من انتقام السماء، وكان يظن أن كل إنسان في الوجود منافسن له فكان لا يأكل من الطعام إلا الذي يجهزه بنفسه لأنه يخشى إذا أكل طعام طاهيته أن يكون أحد خصومه قد أغرى طاهيته ودست له السم .

5- تشارلز ديكنس: كان يغادر منزله في وسط الظلام ويتيه في شوارع لندن كالمجنون قاطعا مسافات طويلة دون أن يكون له أي هدف في هذه الجولة الليلية، وكان يدخل بيوت أصدقائه من النوافذ، وكان يرتدي ملابس البحارة ويرقص في الشوارع مع نغمات الناي ويقوم بحركات مستهجنه نابيه.

6- كوكان، غوتيه، دستوفسكي، ما يكل انجلو، مارسيل بروست، ومايكوفسكي رائد المدرسة المستقبلية في الشعر الروسي الذي مات منتحرا عانوا جميعا من مرض الكآبة والشلل الجنوني.

أخيرا إن من يقرا هذه الإحصائية يستيقن أن الرابطة بين العبقرية والجنون رابطة وثيقة؛ فهل ما يفصل العبقرية عن الجنون هو خيط رفيع؟ حقا إن الجنون فنون.

لقد عرف التاريخ الإنساني فنانين مبدعين تناقلت الأجيال أسمائهم وأعمالهم الفنية مثل بتهوفن في الموسيقى، بيكاسو في الرسم، شكسبير في الأدب، برشت في المسرح، وشاري شابلن في التمثيل والإخراج السينمائي …الخ، فإذا كانت الطاقة الحيوية هي محور الإبداع الفني وكل البشر يملكون هذه الطاقة، فلماذا أصبح الفنانون فئة من الناس، ولم يصبح الناس كلهم فنانين؟. للإجابة على هذا السؤال لابد من تكوين تصور عن ما هي الطاقة الحيوية التي تؤلف مزاج الإنسان؛ الطاقة الحيوية تشبه إلى حد ما المركبات الكيميائية، فهي تتألف من اتحاد عناصر متعددة بمقادير معينة لتكون المركب، وهذه المقادير هي التي تحدد نوع المركب الناشئ عن اتحاد العناصر الكيميائية؛ الطاقة الحيوية في الإنسان تتألف من اتحاد أربع صفات، هذه الصفات تحدد الطبيعة النمطية للمزاج الإنساني وهذه الصفات هي :

Advertisements