لو سألتُ سؤالا على سبيل الجدل، بم تقوم الحياة الإنسانية المادية على الأرض؟ لكان الجواب حتما بالمال! وحقيقة المال (العملة) هي أنه نظام تواضع الإنسان المتحضر على اتباعه لتنظيم الاستفادة من موارد الأرض وخيراتها التي راح يكتشفها كلما زادت خبرته في العيش على ظهرها، وبالمقابل يزداد سكان الأرض باطراد فيتصارعون على الموارد والثروات، فتوافق الناس على استخدام معيار يحدد قدرة كل منهم على الحصول على الموارد والمكاسب من ثروات وخيرات أمهم الأرض.

وكان المال في أول أمره يسك بأشكال محددة من المعادن الثمينة كالذهب والفضة، ولم أجد ما يدلني على أول من اخترع هذا النظام، ولا أول من سك العملة النقدية وروج لجعلها معيارا لمقدار قدرة الإنسان على استحصال واختزان الثروات، غير أن نظام العملة تطور بتطور الأزمان وتمدن الإنسان حتى غدا علما وفنا من فنون الرياضيات والاقتصاد وغير ذلك، وأصبحت قيمة العملة في يومنا هذا تحدد وفق معادلات وقوانين معقدة لكل أمة ودولة، غير أنها أصبحت تسك من المعدن الرخيص والورق الزهيد القيمة، حتى بات الإنسان يشتري قصرا منيفا وحديقة غناء وعمارة شهباء بكومة ورق؛ يتصارع الناس على حيازة أكبر كمية منها ولو بالقتل والعنف وإراقة الدماء، أو أكل أموال الناس بالسحت والحرام، أو خيانة الدين والوطن والعرض والملة والقوم والمبدأ.

وقد بحثت في القران الكريم عن مفردة المال –بحث باجتهاد شخصي لا يصلح أن يكون مرجعا لأحد- فوجدتها ذكرت في القران بصيغ مختلفة حوالي 69 مرة، كلها آيات تنظم علاقة الإنسان بالمال من حيث المعاملات؛ ولا تخلوا من ذم في بعض الأحيان له، وهذا يدل على مال للمال من أهمية في حياة الإنسان وعلاقاته. وأما مناسبة تطرقي لهذا الموضوع وبحثي فيه؟ فهو .. أني لطالما تراودني الأفكار والخواطر في مجال عملي وفي حياتي الشخصية وفي المجالات العامة وفي كل ميدان دخلت أو ادخل إليه، فتنقدح في عقلي وذهني مشاريع وخطط تنفع لتطوير هذا الحقل وتغير ذاك المجال وإبداع في تلك المسألة، الغريب في الأمر أنني اكتشفت مؤخرا أن المال عماد كل فكرة ومشروع وتطوير وإبداع وتفنن وبناء واعمار ورقي..!! وما أخلى الدهر منه يديك فلا تفكرن وترهقن نفسك ومن معك بكثرة المشاريع والأفكار؛ فحالك كحال ذاك الذي قال الشاعر عنه.. كناطح صخرة يوما ليوهنا فما ضرها وأوهى قرنه الوعل فقلت في نفسي بأبي وأمي من يعطيني مالا أغير به وجه العالم، بخطط ومشاريع حال دون تنفيذها تقادم الزمن وضيق ذات اليد، ومن تجربتي في العمل مع بعض المنظمات الدولية التي تملك مقدرات مالية كبيرة استطعت أن أنفذ أفكارا هامة، فمثل هذه المنظمات تعلي من شأن الأفكار وتحتفل بالمقترحات وتوظف في سبيل تحقيقها الأموال، حقا إن المال خادم جيد. ولكن ..وآه من كل لكن لا يخلوا منها أمر مصداقا لقول الشاعر : لكل أمر إذا ما تم نقصان.!! من يعمل في هذا المضمار يكتشف أن غول الفساد تغول على الكثير من المنظمات فالتهم ميزانياتها المتعاظمة التي غارت في كروش المتصارعين على الفتات دون أن يكون لهم إلى دين أو وطن أو آخرة التفات. وفي العراق بلد الخيرات والثروات يتدفق الذهب الأسود من باطن الأرض دون عناء ليصل إلى العالم عبر المواخر التي تمخر البحار لتوصله إلى أهل الأرض في الشمال والجنوب، ولا تصل عائداته المالية إلى الشعب المنهك تحت وطأة الفقر والجوع والجهل والإرهاب، بل تزداد بها أرصدة الفاسدين البائعين بذممهم أوطانهم والدين. تشتعل نار الغيرة في جوانحي وتحرق قلبي حين أرى بلدان العالم توظف مواردها في خدمة الإنسان فيها، تنمية وتطويرا وترقية ترفيها، ففي إمارة صغيرة مثل دبي حين وجدت من يسخر المال كخادم جيد في التنمية بكل فصولها ومفاصلها؛ تحولت صغيرة الحجم إلى عظيمة القيمة والمقام، فتعالت فيها البنيان حتى عانقت السماء ونافست عواصم الناطحات، فغدت قبلة للتجار القاصدين الربح، ومرتعا بمنتجعاتها للسياح القاصدين الراحة، ومعبرا بمطاراتها للمسافرين إلى ارجاء العالم أنا وإن أسلفت أن المال خادم جيد، لكنه بحق سيد فاسد، فحين تروم خ

Advertisements